ابواب الامل - نجيب محفوظ // جدع مشترك علمي



في مسكنه - وهو عبارة عن حجرة وحيدة ومرافق -  يرى نفسه، يتجسد له معنى حياته. إنه يعيش متفتح الحواس مرهف الوعي ليتزود بكل سلاح. ومن نافذته الصغيرة يرى وطنه -حارة الحسيني- كأنها امتداد لروحه وجسده، حارة طويلة ذات منحنى حاد، مشهورة بموقف للكارو ومسقى للحمير. البيت الذي ولد ونشأ فيه تهدم. وقامت موضعه باحة صغيرة لعربات اليد. قليل من مواليد الحارة من يبرحها بصفة نهائية إلا للقبر.
تحليل النص القرائي أبواب الأمليعملون في مواقع كثيرة، في المبيضة.. الدرَّاسة.. السكة الجديدة.. أو فيما وراء ذلك، ولكنهم يرجعون إليها آخر النهار. ومن خواصها الحميمة أنها لا تعرف الهمس والنجوى، أصواتها مرتفعة جداً، متوترة بين الحكمة والبدائية، ومن بينها صوت قريب قوي خشن لم يخلخله الكبر، صوت أم حسني صاحبة البيت.
أم حسني كانت صديقة لأمه وزميلة ومرشدة ، صديقة عمر طويل. كانت كلتاهما زوجة لسواق (كارو) ، وعاملة كادحة تكد بصبر النمل ودأبه سعيا وراء القرش، تسند به زوجها، وتتمم عشها. ماتت أمه وهي تعمل، أما أم حسني فما زالت تعمل بهمة عالية . وكانت أم حسني أحسن حظا وأوفر رزقا ، فتجمع لديها من المال ما بنت به بيتها المكون من ثلاثة أدوار، مخزن أخشاب أرضي وشقتين، تقيم في إحداهما وعثمان في الأخرى. وابنها حسني لم يخلف وراءه إلا اسمه ، أما شخصه فقد حملته أيام الحروب والمحن إلى بلاد نائية فاستقر فيها.
ألا يحق له أن يحلم؟ إنه يحلم بفضل الشعلة المقدسة التي تتقد في صدره، وبفضل حجرته الصغيرة يحلم أيضا. وألف أحلامه كما يألف الفراش والكنبة والسحارة والحصيرة، وكما ألف الأصوات الحادة والمنغومة التي تند عن حنجرته تردد أصداءها الجدران الراسخة القاتمة.
ماذا كان بالأمس؟ أراد أبوه أن يجعل منه سواق (كارو) مثله ، ولكن شيخ الكتاب قال له :
- يا عم بيومي توكل على الله، وأدخل الولد المدرسة الابتدائية..
فذهل الرجل وتساءل :
- ألم يحفظ من القرآن ما يقيم به الصلاة؟
- فقال الشيخ : 
- الولد ذكي وعاقل وربما رأيته يوما من رجال الحكومة..
وقهقه عم بيومي غير مصدق، فقال الشيخ :
- عليك بمدارس الأوقاف فربما قبل بالمجان..
وتردد عم بيومي زمنا، ثم تمت المعجزة، ونجح عثمان في المدرسة نجاحا مذهلا حتى حصل على الابتدائية. تميز عن أقرانه الحفاة من أبناء الحارة، ورأى بعينيه الحادتين أول شرارة تنطلق من فؤاده النابض، وأيقن أن الله يبارك خطاه ويفتح له أبواب الأمل. والتحق بالمدرسة الثانوية بالمجان كذلك، فحقق من النجاح ما لم يصدقه أحد في حارة الحسيني

نجيب محفوظ . حضرة المحترم . دار القلم ، بيروت (1977) . ص ص : 12 - 14 . (بتصرف)





  • انشر مواضيعك و فروضك و مساهماتك على موقعنا من خلال بريدنا :hddjdndjdndj@gmail.com -واتساب 0616424485-
  • Commentaires